ابن أبي أصيبعة

213

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

مجيء المسيح وأنه قد كان وأبطل انتظارهم له ومنها صحة القربان بالخبز والخمر وعمل مقالات أخر كثيرة صغارا منها لم جعل من الخمر قربان وأصله محرم وأبان علل التحليل والتحريم وعرض له أن سافر إلى بيت المقدس وصام به يوما واحدا وعاد منه إلى دمشق واتصل خبره بالعزيز رحمه الله وكوتب من الحضرة بكتاب جميل فاحتج أن له ببغداد أشياء يمضي وينجزها ويعود إلى الحضرة قاصدا ليفوز بحق القصد فحين عاد إلى بغداد أقام بها وعدل عن المضي إلى مصر ثم إن ملك الديلم أنفذ خلفه واستدعاه فعند حصوله بالري وقف بها نسخة من كناشة الكبير قال وبلغني أن البيمارستان يعمل بها وأنه يعرف به بين أطبائهم إذا ذكر أبو عيسى صاحب الكناش وأقام عند ملك الديلم مدة ثلاث سنين وخرج من عنده على سبيل الغضب وكان قد حلف له بالطلاق أنه متى اختار الانصراف لا يمنعه فلم يمكنه رده وجاء إلى بغداد وأقام بها مدة ثم أنه استدعي إلى الموصل إلى حسام الدولة فعالجه من مرض كان به وجرى له معه شيء استعظمه وكان أبدا يعيده عنه وذلك أنه كانت له امرأة عليلة بمرض حاد فأشار بحفظ القارورة واتفق أنه عند حسان الدولة وقال له هذه الامرأة تموت فانزعج لذلك ونظرت الجارية إلى انزعاجه وصرخت وخرقت ثيابها وولت فاستدعاها في الحال وقال لها جرى في أمر هذه الامرأة شيء لا أعلمه فحلفت أنها لم تجاوز التدبير فقال لعلكم خضبتموها بالحناء قالت قد كان ذلك فحرد وقال للجارية أقوالا ثم قال لحسام الدولة أبشر بعد ثلاثة أيام تبرأ فكان كما قال فعظم هذا عنده وكان أبدا يعيده ويتعجب منه ولما عاد إلى بغداد كان العميد لا يفارقه ويلازمه ويبايته في دار الوزارة لأجل المرض الذي كان به وحظي لديه ثم أن الأمير ممهد الدولة أنفذ إليه ولاطفه حتى أصعد إلى ميافارقين فلما وصل إليه أكرمه الإكرام المشهور عند كل من كان يراه ومن لطيف ما جرى له معه أنه أول سنة ورد فيها سقى الأمير دواء مسهلا وقال له يجب أن تأخذ الدواء سحرا فعمد الأمير وأخذه أول الليل فلما أصبح ركب إلى داره ووصل إليه وأخذ نبضه وسأله عن الدواء فقال له ما عمل معي شيئا امتحانا له فقال جبرائيل النبض يدل على نفاذ دواء الأمير وهو أصدق فضحك ثم قال له كم ظنك بالدواء فقال يعمل مع الأمير خمسة وعشرين مجلسا ومع غيره زائدا وناقصا فقال له عمل معي إلى الآن ثلاثة وعشرين مجلسا فقال وهو يعمل تمام ما قلت لك ورتب ما يستعمله وخرج من عنده مغضبا وأمر أن يشد رحله ويصلح أسباب الانصراف فبلغ ممهد الدولة ذلك وانفذ إليه يستعلم خبر انصرافه فقال مثلي لا يجرب لأنني أشهر من أن احتاج إلى تجربة فأرضاه وحمل إليه بغلة ودراهم لها قدر وفي هذه المدة كاتبه ملك الديلم بكتب جميلة يسأله فيها الزيارة وكاتب ممهد الدولة يسأله في ذلك فمنع من المضي وأقام في الخدمة ثلاث سنين وتوفي يوم الجمعة ثامن شهر رجب من شهور سنة